تقارير وتحقيقات

الأمل في التعليم.. ذوي الإعاقة يعانون واقعًا تعليميًا صعبًا وإرادة صلبة

الأمل في التعليم.. ذوي الإعاقة يعانون واقعًا تعليميًا صعبًا وإرادة صلبة

غزّة/ هدى العف

صباحُ كلّ يوم، يرتدي “أحمد ملابسه المرتبة، يحمل حقيبته المدرسية، بينما تراقب والدته من شباك منزلهم وصول باص المدرسة تمام الساعة السادسة والنصف صباحًا، وبشكلٍ يومي، غير آبهٍ بمشيته المتعرجة وثقل حركته، ولا حتى بعدم قدرته على حمل الحقيبة بما فيها من دفاتر وكُتب.

أحمد الزيتونية (11 عامًا) طفلُ من ذوي الإعاقة يسكن في مدينة غزّة، ولد بصعوبة في النمو وشخص حالته بأنها ناتجة عن قصر في “وتر القدم اليسرى واليد اليمنى” مما يجعلها مشدودة بشكلٍ يعيق حركته.

والدته تقول، “تمنيته من الله عندما أنجبته، كان جميلًا جدًا وذكيًا”، مضيفة “عندما كبر وعلمتُ بإعاقته الحركية بعد محاولات حثيثة لعلاجه، أيقنت أنها بداية جديدة عليّ أن أكون فيها أقوى وأن أكون معه حتى النهاية”.

وتضيف والدة أحمد، “ذات يوم شاهدت رجلًا يشبه حالة إعاقة نجلي، لكنّه كان متعلمًا ووقف على منصة التخرج لاستلام شهادته، وحينها عاهدت الله ألا أستسلم ولا أيأس، وأن يكون ابني أحمد مثله متعلمًا، فالإعاقة ليست نهاية، كما أنها لا تعيق العقل”.

سجّلته في مدرسة “شمس الأمل” الخاصة لتعليمه، وهو الآن في الصف السابع الأساسي، يتعلم كما أقرانه كافة المواد الدراسية، ويحب الرياضيات كثيرًا وعقله متفتح للعلوم، كما أنّ خطه جميل برغم إعاقة يده، مشيرة إلى أن ذهابه إلى المدرسة الخاصة ساهم كثيرًا في تعليمه ووعيه، وكان إشراقة الأمل بالنسبة له”.

أما والد الطفلة “شيماء مرتجى”، فقال إنه كان متخوفًا من أن تكبر ابنته متسائلًا بشكل دائم كيف ستذهب إلى المدرسة وسط أقرانها وهي من ذوي الإعاقة السمعية، وهذا سيسبب لها حرجًا بالإضافة إلى أن المدارس الحكومية والرسمية غير مؤهلة لتعامل المدرسين مع حالات الصًم، وأن ابنتي ستواجه صعوبة في الفهم طالما لم تسمع الدرس.

يقول سفيان مرتجى لـ”غزة أونلاين”، عند بلوغ ابنتي شيماء عمر السادسة زادت مخاوفي، وبدأت بالاستفسار حول الأماكن التي تستوعبهم، فابنتي كانت ذكية وواعية وعقلها سليم، لكنّ إعاقتها السمعية قد تعيق اندماجها، إلى حين توجهت إلى جمعية أطفالنا للصم، وبدأت ابنتي رحلة جديدة، تتعلم فيها القراءة والكتابة ومعارف الحياة.

يتعلمون ويتأهلون!

جمعية “أطفالنا” للصمّ، بدأت عملها في التعليم الأكاديمي، ثم توسعت لتشمل المجالات التقنية والمهنية لذوي الإعاقة السمعية، حيث “تقدم المدرسة الخدمات الأكاديمية من الصف الأول وحتى التاسع، لقرابة 300 طفل سنويًا، من بينهم 45 طفلًا في رياض الأطفال”.

وتوضح مسؤولة العلاقات العامة بالجمعية، داليا أبو عمرو، أن عمل الجمعية تطور بشكل كبير، لتقوم بافتتاح المدرسة الحكومية الثانوية الوحيدة للصمّ في قطاع غزة، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وهي مدرسة مصطفى صادق الرافعي.

تضيف عمرو في حوارٍ مع “غزة أونلاين”، أنه وبالشراكة بين الجمعية والجامعة الإسلامية بغزة، أطلق المشروع الأول للدراسات العليا لذوي الإعاقة السمعية، والذي تخرج فوجهم الأول من الجامعة الإسلامية العام الماضي، في مجال تكنولوجيا المعلومات، تردف قائلةً “وفرّنا طاقمًا أكاديميًا وقمنا بتدريبه وتأهيله للتعامل مع ذوي الإعاقة وتعليمهم، وقمنا بمتابعتهم أولًا بأول للاطلاع على سير العملية الأكاديمية، التي تكللت بالنجاح بتخريج الفوج الأول عام 2016”.

وتتنوع خدمات برنامج التدريب المهني الذي تقدمه للجمعية، إذ يحتوي على تخصصات التصميم والجرافيك، والخياطة والنِجارة وغيرها من المجالات، تشير عمرو أن الجمعية تسعى أيضًا إلى “توفير فرص عملٍ مؤقتة أو دائمة في الحكومة أو القطاع الخاص أو مؤسسات العمل الأهلي أو المدني، وقد تمكنّا من توظيف عدد كبير منهم، في المطاعم الكبيرة وشركات والانترنت، وبعضهم أنشأ مشاريعًا خاصة كمكتبات صغيرة ومحلات اكسسوار ومزارع دواجن”.

أبو عمرو طالبت وزارة التعليم بممارسة الدور المنوط بالمقام الأول بها تجاه هذه الفئة في المجتمع، إذ تنّوه إلى أن الأزمات المالية التي تعصف بالمؤسسات، والذي انعكس بتدني التمويل التي تحصل عليه، صعّب من مهمتهم في احتواء المزيد من ذوي الإعاقة، تردف قائلةً، “أصبح توفير الخدمة التعليمية لذوي الإعاقة أصعب من ذي قبل، ونحن نضغط ونناشد الجهات الرسمية لتولي مسؤولياتها وإدراج ذوي الاعاقة في كافة المؤسسات التعليمية، وموائمتها من ناحيةٍ بيئية وتعليمية”.

مؤسسات أخرى في قطاع غزّة، تعمل للسعي إلى تعليم ذوي الإعاقة بكافة أنواعها، منها السمعية والحركية والبصرية، إضافة إلى الاهتمام بتعليم أصحاب متلازمة دوان

ويقول مسؤول جمعية “الحياة والأمل”، محمد العلمي، لـ”غزة أونلاين”، إن الجمعية تعنى بتعليم ودمج وتوعية ذوي الإعاقة بما فيهم متلازمة داون، وذوي الإعاقة بشكل عام، وهي تستهدف الأطفال.

وأوضح أن الجمعية تقوم على عقد مشاريع متعددة في فترات زمنية متقاربة، تستهدف تعليم ذوي الإعاقة عبر أنشطة منهجية ولا منهجية، مضيفًا “نلاحظ الكثير من المنتسبين من الصغار الذين يشاركون في مشاريعنا أكثر من الكبار”

وطالب العلمي بالمزيد من الجهود للدفع بتعليم ذوي الإعاقة ودمجهم مجتمعيًا، حيث يلاحظ منهم نماذج مشرفة وقوية، وهم قادرون على إحداث التغيير بمساعدة التعليم والأنشطة وتطويرهم ودمجهم ودعمهم، مطالبًا وزارة التربية بحث الجهود لضمان تعليمهم الأكاديمي بشكلٍ أساسي”.

التربية تردّ

لكن ومن الناحية الأخرى، تكشف وزارة التربية والتعليم عن سعيها لدمج ذوي الإعاقة في مجال التعليم العام، عبر مشروع “التعليم الجامع”، بدأت العمل فيه منذ عام 1997، منطلقًا من المدارس النموذجية، وصولًا إلى تعميم التجربة على المدارس الحكومية كافة.

إذ يقول نائب مدير عام الإرشاد والتربية الخاصة بوزارة التعليم خالد فضة، إن دمج الطلبة ذوي الإعاقة في مؤسسات التعليم الحكومية، يتم عبر استقبال كل الطلبة الذي يعانون من إعاقاتٍ بسيطة ومتوسطة، بما لا يؤثر على البيئة التعليمية والطالب صاحب الإعاقة أو زملائه الطلبة.

ويذكر فضة في حديثه لـ”غزة أونلاين“، أن 2724 طالبًا وطالبة، من ذوي الإعاقات الظاهرةـ تم دمجهم في المدارس الحكومية، بعد أن تهيئتها وتجهيزها لتتلاءم مع احتياجاتهم، لافتًا إلى أن المدارس التي يتم إنشاؤها حديثًا يتم تهيئتها بشكلٍ كاملٍ من ممراتٍ مناسبة وغرف حاسوب وكراسي خاصة ومتحركة، وسمّاعات ونظّارات وفصول دراسية، بحيث يكون الطالب الملتحق بالمدرسة في بيئة مريحة وموائِمة لحالته، فيما يتم عمل موائمة جزئية وترميمات في المدارس قديمة الإنشاء.

العديد من التحديات تواجه عملية محو الأمية لدى فئة ذوي الإعاقة، يذكر فضة بعضًا منها، “نظرة الناس تجاه ذوي الإعاقة تمثل واحدةً من أهم التحديّات التي تواجهنا في عملية محو الأمية ودمجهم في التعليم، ويأتي هذا متزامنًا مع عدم وجود موائمة للعديد من المدارس، حيث تنعدم الموائمة في 15-20% من المدارس الحكومية أو تكون بحاجةٍ لإعادة تأهيل متكاملة بسبب التلف مع الزمن”.

ولا يغيب عن تلك التحدّيات وفقًا لفضّة، عدم وجود ميزانياتٍ داعمة لتوفير المعدّات والأجهزة الخاصة بالعملية التعليمية لذوي الإعاقة، كالسمّاعات التي يبلغ ثمن الواحدةٍ منها 1500 شيكل، كذلك أدوات البصريات، والمنهج المكبّر المتمثل في جهاز “تابليت” يقتنيه الطالب بدلًا من الكتاب ثقيل الوزن، وليس آخرًا بالكرسي المتحرك الذي يبلغ ثمن أرخص أنواعه 650 شيكلًا.

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن نسبة الأميّة تقِل لدى الصغار عمّا هي لدى الكبار، “حيث يساعد وعي الأهالي ومساعدتهم لأبنائهم على اجتياز الأميّة، والاندماج في العملية التعليمية”.

ويأتي الواقع الصعب لعملية محو الأميّة لدى ذوي الإعاقة، في ظل وجود قانون خاصٍ بهم أصدرته السلطة الفلسطينية والذي يحمل رقم قانون (4) لسنة 1999، يضمن من خلال بنوده ضمان حق المعوقين في الحصول على فرص متكافئة للالتحاق بالمرافق التربوية والتعليمية وفي الجامعات ضمن إطار المناهج المعمول بها في هذه المرافق”.

هذا التقرير ضمن مبادرة “تحسين واقع مبادرة تحسين واقع الحصول على الخدمات الاساسية للاشخاص ذوي الاعاقة” ضمن برنامج الشراكة والتعاون بين الائتلاف من اجل النزاهة والمساءلة امان والمنتدى الإجتماعي التنموي”، ينفذ بتمويل من حكومات النرويج وهولندا ولكسمبورغ.

إن محتوى هذا التقرير يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعكس وجهة نظر منفذ أو ممول المشروع

اظهر المزيد

المنتدى الاجتماعي التنموي

مؤسسةٌ أهليةٌ تعملُ في فلسطين، أُسِّسَت عام 2006م، بمبادرة من مجموعة من النشطاء الشباب؛ من أجل بناء نموذجٍ أهلي مهني ،قادر على تقديم الخدمات المجتمعية باستثمارٍ أفضل للموارد والإمكانيات المتاحة، وتحقيق رؤية تنموية، وفق منهجٍ شمولي قائم على احترام حقوق الإنسان، والقانون، والقيم المدنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى